لا تُنصتوا إلى حملات التضليل… قانون الإعلام يجب أن يمر




بعد 15 عاماً من النقاش داخل اللجان النيابية، وبمشاركة نقابات وخبراء محليين ودوليين وجهات متخصصة، وصل مشروع قانون الإعلام إلى لحظة حاسمة، يُفترض أن تنقل القطاع من قانون قديم لم يعد قادراً على مواكبة التحول الرقمي، إلى إطار حديث يحمي الصحافي وينظم السوق ويعيد تحديد المسؤوليات.


لكن مع اقتراب المشروع من الإقرار، خرجت حملات تحذّر منه وكأنه مشروع لإسقاط المؤسسات وضرب الاستثمار. غير أن طريقة عرض بعض الاعتراضات أوحت بأن الخشية من المنافسة كانت أعلى من الخشية على حرية المهنة، وأن الدفاع عن مواقع المؤسسات القائمة تقدّم على الدفاع عن الصحافيين العاملين فيها.


فالقانون لا يُقاس فقط بما يضمنه لأصحاب المؤسسات، بل بما يقدمه للصحافي والجمهور والقطاع كله.


وإذا كانت هناك ملاحظة تستحق النقاش الجدي، فهي ضرورة مواكبة تطبيق القانون بتقييم اقتصادي يراعي كلفة التشغيل والاستثمار واستمرارية المؤسسات، من دون تحويل هذا العنوان إلى ذريعة لإبقاء السوق مقفلة أمام المنافسة.


القانون يحمي الصحافي


أهم ما يقدمه المشروع أنه يخفف الطابع الجزائي عن قضايا الإعلام، ويلغي التوقيف الاحتياطي في القضايا المرتبطة بالعمل الصحافي، وينقل القسم الأكبر من المسؤولية إلى الغرامات والتعويضات عند ثبوت الضرر.


هذا التحول ليس تفصيلاً.


فالصحافي الذي يبقى مهدداً بالتوقيف بسبب خبر أو رأي أو تحقيق، سيصبح أكثر تردداً في مواجهة الفساد وأصحاب النفوذ. أما عندما تنتقل المسؤولية إلى القضاء المدني، فيبقى حق المتضرر محفوظاً، من دون تحويل الصحافي إلى مجرم.


القانون لا يمنح الإعلاميين حصانة، لكنه يمنع استخدام التوقيف وسيلة للضغط عليهم وإسكاتهم.


ومن أبرز إصلاحات المشروع أيضاً إنهاء اختصاص المحكمة العسكرية في قضايا الإعلام، وإلغاء الصيغة القديمة لمحكمة المطبوعات، والانتقال نحو قضاء مدني متخصص.


فالصحافي الذي ينشر تحقيقاً أو ينتقد مسؤولاً يجب أن يمثل أمام قاضيه الطبيعي، لا أمام القضاء العسكري أو أمام مرجع لا يراعي طبيعة العمل الإعلامي.


أما الاعتراض بأن إلغاء محكمة المطبوعات قد يؤدي إلى اجتهادات متناقضة، فجوابه ليس العودة إلى القضاء الاستثنائي، بل إنشاء غرف مدنية متخصصة بقضايا الإعلام، وتدريب القضاة، ووضع مرجعية واضحة لتوحيد الأحكام.


إلغاء القضاء الاستثنائي مكسب، أما التخصص القضائي فهو ما يجب استكماله داخل الهيئة العامة.


المواقع ليست خارج القانون


من أكثر النقاط التي يجري تضليل الناس بشأنها القول إن المشروع يترك المواقع الإلكترونية خارج المحاسبة.


الحقيقة عكس ذلك.


القانون يشمل المواقع المهنية، ويفرض تحديد هوية المالك والمدير المسؤول، والخضوع لحق الرد والتصحيح والمساءلة، ويضع إطاراً قانونياً يميز المؤسسة الجدية عن الصفحات المجهولة التي تنشر الاتهامات ثم تختفي.


تنظيم المواقع يحمي القطاع ولا يهدده.


فالموقع الذي يوظف صحافيين ويتحمل كلفة تشغيلية ومسؤولية قانونية لا يجوز أن يوضع في مرتبة واحدة مع صفحة وهمية لا يعرف أحد من يقف خلفها.


ومن الإصلاحات المهمة أيضاً اعتماد مبدأ العلم والخبر بدل انتظار الترخيص في عدد من مجالات العمل الإعلامي.


بمعنى بسيط، لا تعود المؤسسة بحاجة إلى موافقة سياسية كي تبدأ عملها، بل تقدم معلوماتها وتلتزم بالشروط القانونية، ثم تتحمل مسؤوليتها أمام القضاء.


هذا يجعل الحرية هي الأصل، ويحد من احتكار التراخيص، ويفتح المجال أمام مؤسسات جديدة.


ومن الطبيعي أن يثير ذلك اعتراض من اعتاد سوقاً مغلقة وشروط دخول يصعب على المنافسين تجاوزها.


لكن قانون الإعلام لا يُكتب لحماية الأقدمية، بل لحماية التعددية.


كذلك، فإن إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام يشكل خطوة إصلاحية، شرط ضبط صلاحياتها ومنعها من التحول إلى سلطة رقابة على المضمون.


الاعتراض على اتساع صلاحيات الهيئة مشروع عندما تجمع بين التنظيم والتحقيق والعقوبة، لكن العلاج لا يكون بإسقاطها وإعادة القطاع إلى سلطة الوزير والحكومة.


المطلوب هو فصل التنظيم عن التحقيق والعقوبة، وضمان استقلال أعضائها وتمويلها، وحصر صلاحياتها بنصوص دقيقة، وجعل قراراتها قابلة للطعن السريع، ومنعها من التدخل في الخط التحريري.


الملاحظات الجدية تُعالج بالتعديل، لا بإسقاط الفكرة من أساسها.


الاستثمار ليس احتكاراً


يقال إن القانون يضرب الاستثمار ويهدد قدرة المؤسسات على الاستمرار.


هذا الاعتراض لا يمكن تجاهله، لكنه لا يثبت بالشعارات.


فحماية الاستثمار لا تعني ترك القرار الإعلامي محصوراً بيد ممول واحد، كما أن مكافحة الاحتكار لا تعني خنق رأس المال.


الحل يكون بوضع نسب واقعية، وكشف المالك الحقيقي، ومنع الملكيات الصورية، وتسهيل التمويل المشروع، لا بإلغاء كل الضوابط وترك السوق خاضعة للأقوى مالياً.


الاستثمار يُحمى بالقواعد الواضحة والاستقرار القانوني، لا بالاحتكار.


أما الأثر الاقتصادي، فيجب أن يُدرس ضمن آليات التطبيق والمرحلة الانتقالية، بما يحمي المؤسسات القائمة والناشئة معاً، ويحافظ على الوظائف والرواتب وقدرة المؤسسات على الاستمرار.


لكن هذا النقاش يجب أن يشمل القطاع كله، لا أن يتحول إلى وسيلة لحماية المؤسسات الكبرى وحدها.


فالصحيفة والموقع والإذاعة والمحطة والصحافي المستقل جميعهم جزء من الإعلام اللبناني، ولا يجوز اختزال الاستمرارية باستمرارية أصحاب الصوت الأعلى.


ومن هنا، فإن بعض التقارير انتهى فعلاً حيث كان يجب أن يبدأ. تحدث عن الأثر الاقتصادي في الخاتمة، بعد أن استهلك معظم مساحته في الدفاع عن الملكية والنفوذ والخشية من المنافسة.


النواب أمام مسؤوليتهم


من يرفض المشروع من دون تقديم بديل متكامل، لا يعيد النقاش إلى نقطة الصفر فقط، بل يتحمل مسؤولية إبقاء الصحافي تحت نصوص قديمة، والمواقع الإلكترونية في منطقة رمادية، والقطاع من دون تنظيم حديث.


إسقاط القانون يعني أيضاً إضاعة 15 عاماً من العمل والنقاش والخبرة المتراكمة.


صحيح أن بعض المواد المرتبطة بالأخبار الكاذبة والعقوبات تحتاج إلى صياغة أدق، وصحيح أن صلاحيات الهيئة تحتاج إلى ضبط، وأن القضاء المتخصص يجب أن يُستكمل بوضوح.


لكن وجود ثغرات قابلة للإصلاح لا يلغي المكاسب الأساسية: منع التوقيف الاحتياطي، إبعاد القضاء العسكري، حماية المصادر، تنظيم الإعلام الرقمي، واعتماد العلم والخبر.


العلاج يكون بتنقيح المشروع، لا بدفنه.


على النواب أن يقرأوا القانون، لا أن يكتفوا بما تبثه حملات إعلامية منحازة.


وعليهم أن يميزوا بين النقد المهني المشروع وبين الدفاع عن الامتيازات القائمة.


لا تجعلوا قوة المنبر بديلاً من قوة الحجة.


صححوا الثغرات، احموا الوظائف والاستثمار، واضمنوا استمرارية المؤسسات، لكن لا تسمحوا بتحويل حماية المؤسسات إلى ذريعة لحماية الاحتكار.


قانون الإعلام يجب أن يمر، لأن الملاحظات الجدية تُعالج بالتعديل، أما استخدامُها لإسقاط القانون كله فليس دفاعاً عن الصحافة، بل دفاع عن بقاء الوضع القديم كما هو.

 
أحدث أقدم