غابي أيوب
موقع لبنان 25
في خطوة لافتة في توقيتها ودلالاتها، أطلق الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، دعوة صريحة للحوار مع المملكة العربية السعودية، ما اعتبره مراقبون تحوّلًا في خطاب الحزب تجاه الرياض، بعد سنوات من التوتر والتباعد. هذه الدعوة لم تأتِ من فراغ، بل تعبّر عن قراءة جديدة للمشهد الإقليمي وتبدلات في التموضع السياسي، تستدعي التوقف عند أبرز دوافعها.
لا يمكن قراءة خطاب الشيخ قاسم بمعزل عن الانفراجة التي شهدتها العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية، عقب الاتفاق الذي تم برعاية صينية في مارس 2023. وبما أن حزب الله يُعتبر أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة، فإن أي تهدئة بين الطرفين الإقليميين تُترجم تلقائيًا على مستوى الأذرع السياسية والعسكرية في الساحات المرتبطة، ومنها لبنان. من هنا، يمكن اعتبار دعوة الشيخ قاسم بمثابة انعكاس "لضوء أخضر" إيراني، يسمح بإعادة صياغة العلاقة مع السعودية ضمن سياق أكثر هدوءًا وانفتاحًا.
لبنان غارق في أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، ترافقت مع شلل سياسي ومؤسساتي منذ سنوات. ومن المعروف أن السعودية كانت لاعبًا محوريًا في دعم الاستقرار اللبناني، سياسيًا وماليًا، خاصة في مراحل ما بعد الحرب الأهلية. ومع تنامي الحاجة إلى دعم عربي — خصوصًا في ظل تراجع الدعم الدولي — فإن الانفتاح على الرياض قد يكون جزءًا من محاولة لفتح نوافذ دعم للبنان، وهو ما يُعزز صورة حزب الله كطرف غير معزول عن المحيط العربي.
المنطقة بأسرها تشهد إعادة رسم للتحالفات والمحاور، مع تحوّل الخطاب من الصدام إلى الحوار، ومن الاستقطاب إلى البراغماتية. وفي هذا السياق، يسعى حزب الله إلى التكيّف مع هذه التحولات، لا سيما بعد بروز أولويات جديدة في السياسة الإقليمية، تتركز حول التنمية والاستثمار وتهدئة التوترات. دعوة قاسم للحوار قد تكون جزءًا من هذا التوجه البراغماتي، الذي يُعيد تموضع الحزب كلاعب داخلي فاعل أكثر من كونه رأس حربة لمحور خارجي.
من زاوية داخلية لبنانية، تحمل الدعوة أيضًا بُعدًا طائفيًا هادفًا إلى احتواء الاحتقان التاريخي بين بعض مكونات الطائفة السنية من جهة، والحزب من جهة أخرى، خاصة بعد الأزمة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتداعيات الحرب في سوريا. الحوار مع السعودية، بما تمثل من ثقل ديني وسياسي في العالم الإسلامي السني، قد يُسهم في تبريد الساحة المذهبية، ما ينعكس إيجابًا على الواقع اللبناني المنهك.
في ظل اتهامات دائمة للحزب بالارتباط المفرط بمحور إقليمي دون مراعاة المصلحة اللبنانية، تأتي هذه الدعوة كمحاولة لإعادة التموضع كقوة سياسية وطنية منفتحة على جميع الأطراف، بما فيها المملكة. وهذا التموضع يُعزز دور الحزب في أي تسوية سياسية قادمة، ويُكرّس حضوره كرقم صعب في المعادلة الداخلية، لا مجرد وكيل إقليمي.
إن دعوة الشيخ نعيم قاسم للحوار مع السعودية ليست مجرد مبادرة كلامية، بل تُعبّر عن تقاطع مصالح وتبدلات سياسية إقليمية ومحلية، فرضت على الحزب إعادة قراءة تموضعه وخطابه. وبين "الضوء الأخضر" الإيراني، والحاجة اللبنانية للاستقرار، والواقع الإقليمي الجديد، تصبح هذه الدعوة جزءًا من مشهد سياسي أوسع يتجه تدريجيًا نحو التهدئة، وليس بالضرورة نحو التطبيع الكامل أو التحالف.
